بعد توتر محدود.. سلمية تُثبت تماسكها المجتمعي

خارج مدينة سلمية في ريف حماة الغربي، وبالقرب من قلعة شميميس وجبل “عين الزرقا”، تظهر حركة مدنية هادئة في محيط المدينة، حيث يقضي رواد مقهى حديث أوقاتهم حتى ساعات متأخرة في متابعة الأفق والطبيعة، وسط أجواء صيفية حارة لا يقطع سكونها سوى بعض الحشرات الموسمية. وعلى الكورنيش الشمالي، تشهد المنطقة حضورًا اجتماعيًا متزايدًا، مع مشاهد لتمشية شبان وفتيات في شوارع تعتمد في إنارتها على المحال التجارية بسبب ضعف الإضاءة العامة.
وتعكس هذه المشاهد تحولات اجتماعية تشهدها مدينة سلمية في الفترة الأخيرة، بعد إزالة الحواجز الأمنية من شوارعها، وما رافق ذلك من تراجع في القيود الجغرافية والاجتماعية، وفق توصيف محليين، ما ساهم في تعزيز التفاعل بين سكان المدينة وريفها، وبين مختلف المكونات الاجتماعية، خصوصًا في الأسواق الرئيسية مثل شارع الثورة وشارع السعن.
وفي سياق هذه التحولات، شهدت المدينة ليل السبت توترًا محدودًا عقب شجار بين شبان من المدينة وآخرين من ريفها، ما استدعى تدخل قوى الأمن الداخلي لاحتواء الموقف. وبحسب مصادر محلية، جاء التصعيد بعد توقيف أربعة شبان من المدينة على خلفية مشاجرة سابقة في شارع البريد، الأمر الذي أدى إلى تجمع عدد من الشبان أمام مقر المجلس الإسماعيلي للمطالبة بحل الخلاف والإفراج عن الموقوفين.
وأفادت تقارير محلية بأن بعض الهتافات التي رافقت التجمع أثارت استياء شريحة من الأهالي، في وقت تحدثت فيه مصادر عن محاولات لاستغلال الحادثة عبر منصات التواصل الاجتماعي لإثارة التوتر، قبل أن يتم احتواء الموقف بسرعة عبر تدخل جهات محلية وأمنية ووجهاء من المنطقة.
وأصدرت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حماة بيانًا أوضحت فيه أن الإشكال بدأ خلافًا فرديًا تطور إلى مشاجرة وتجمهر، مشيرة إلى أن تدخل الدوريات قوبل في بعض الحالات بمحاولات ممانعة، ما استدعى تعزيز الانتشار الأمني لمنع أي تصعيد إضافي، مع التأكيد على استمرار الإجراءات القانونية بحق المتورطين.
وتأتي هذه الحادثة في مدينة ذات خصوصية اجتماعية وتاريخية، إذ تُعد سلمية مركزًا مهمًا للطائفة الإسماعيلية، ومدينة ذات تنوع سكاني واضح، ما يجعل أي توتر محدود عرضة لتأويلات أوسع. وقد سبقت دخول المدينة ترتيبات محلية وتفاهمات مع وجهاء وممثلين عن المجلس الإسماعيلي، أسهمت في تجنب المواجهات عند انتقال السيطرة إليها أواخر عام 2024، وفق مصادر محلية.
وتكتسب سلمية أهمية استراتيجية كونها تقع على صلة وصل بين ريف حماة الشرقي ومناطق البادية والشرق السوري، فضلًا عن بعدها الاجتماعي، بوصفها مدينة استقبلت خلال السنوات الماضية موجات نزوح من عدة محافظات سورية، بينها إدلب والرقة والحسكة وحمص، ما عزز تنوعها الديموغرافي وغيّر من بنيتها الاجتماعية والاقتصادية.
ويشير عاملون في الشأن المدني بالمدينة إلى أن سلمية تمتلك تقاليد قديمة في معالجة الخلافات عبر الوجهاء والمرجعيات الاجتماعية، ما ساعد في احتواء العديد من الإشكالات السابقة، رغم تسجيل توترات متقطعة بين الحين والآخر، غالبًا ما تُحل عبر قنوات محلية دون تصعيد واسع.
في المقابل، يرى آخرون أن بعض الحوادث تعكس حساسية قائمة بين الريف والمدينة، تتعلق بالتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، رغم أن العلاقات اليومية بين السكان تظهر درجة عالية من التداخل والتعايش، خاصة في الأسواق والأحياء المختلطة.
ويؤكد سكان من المدينة ونازحون استقروا فيها خلال السنوات الماضية أن سلمية أصبحت وجهة سكن واستقرار لشرائح متعددة، مع تنامي النشاط التجاري والمشاريع الصغيرة، واندماج اجتماعي متدرج بين الوافدين والسكان المحليين، ما أسهم في تعزيز الحركة الاقتصادية وتحسين مستوى التفاعل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يرى ناشطون في المجتمع المدني أن الحفاظ على هذا التوازن يتطلب معالجة هادئة لأي احتكاكات فردية، ومنع تحويلها إلى توترات عامة، مع تعزيز دور المؤسسات المحلية والوجهاء في إدارة الخلافات، بما يحفظ السلم الأهلي ويعزز ثقافة التعايش داخل المدينة وريفها.




